الشيخ محمد هادي معرفة
60
تلخيص التمهيد
أوتار قلبك بنصيب سواء ، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم ، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد . هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممّن يسمع القرآن ، حتّى الذين لا يعرفون لغة العرب ، فكيف يخفى على العرب أنفسهم ؟ إنّ أوّل شيء أحسّته تلك الآذان العربية في نظام القرآن هو ذلك النظام الصوتيّ البديع الذي قسّمت فيه الحركة والسكون تقسيماً منوّعاً يجدّد نشاط السامع لسماعه ، ووزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغنّة توزيعاً بالقسط يساعد على ترجيح الصوت به وتهادي النفس فيه آناً بعد آن ، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأُخرى فيجد عندها راحته العظمى . وهذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حدّ الإسراف في الاستهواء ثمّ إلى حدّ الإملال في التكرير فإنّها ما كانت تعهده قطّ ولا كان يتهيّأ لا بتلك السهولة في منثور كلامها سواء المرسل والمسجوع ، بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه ، ولا يمكن معها إجادة ترتيله إلّابإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه . أنت إذا ما اقتربت بأُذنك قليلًا ، فطرقت سمعك جواهر حروفه ، خارجة من مخارجها الشحيحة ، فأجاءك منه لذّة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها : هذا ينقر وذاك يصفر ، وثالث يهمس ، ورابع يجهر ، وآخر ينزلق عليه النفس ، وآخر يحتبس عنده النفس ، وهلمّ جرّا . فترى الجَمال اللغويّ ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة « 1 » لا كركرة ولا ترثرة ، ولا رخاوة ولا معاظلة ، ولا تناكر ولا تنافر . وهكذا ترى
--> « وتد مجموع » . والحرفان المتحرّكان لا يتلوهما ساكن « سبب ثقيل » . والحرفان المتحرّكان يتوسّطهما ساكن « وتد مفروق » . وثلاثة أحرف متحرّكة « فاصلة صغيرة » . وأربعة أحرف متحرّكة يعقبها ساكن « فاصلة كبيرة » . ( 1 ) . من وقف على صفات الحروف ومخارجها ازداد بهذا المعنى علماً . وسيأتي قريباً تفصيل أكثر في كلام الرافعي ، وهذاجانب دقيق من سرّ إعجاز القرآن التأليفي ، فتنبّه .